مقالةالدكتور عوض أحمد العلقمي

الكذب بين الأمس واليوم

بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي

المقاطرة نيوز | الكذب بين الأمس واليوم Image Alt

   استذكرت زمن الطفولة ، وأنا مقيم في حاضرة الثقافة اليمنية ، إذ قضيت سنوات في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم ، كانت جميلة ومثمرة ، بل عالية الأغصان ، دانية القطوف ، لاتختلف في شيء عن أيام الصبا ، ولياليها المضيئة .
   كنت أتردد على ذلك الشارع الرائع ، الخاص بالمشاة ، المملوء بالأقمشة ، وكل شيء جميل من التراث اليمني ، الذي يمثل الهوية اليمنية ، الضاربة جذورها في أعماق التاريخ ، يبدأ ذلك الشارع الساحر من باب موسى غربا ، حتى ينتهي بك في الباب الكبير شرقا .
   لكن الشيء الذي ارتسم في ذاكرتي من ذلك الشارع ، هو ذلك الشيخ المسن ، الذي كان يفترش الشارع ، ويفرش أمامه خرقة خلقة ، تقدر مساحتها بمتر في متر ، ثم يضع بضاعته عليها ، والبضاعة هي : بقايا بندقية عتيقة ، وخنجر قد أكله الصدا ، وعصا قد نخرته الأرضة ، ومشكاة من غير زجاجة ولا ذبالة ، ومصباح منخور من الداخل والخارج ، وغيرها من الأدوات التي أكل الدهر عليها وشرب ، ثم يصرخ في المارة ، أيها الزبائن الكرام ، تعالوا إلي ستجدون مايسركم ، إن لدي من البضاعة ماسيبهركم  .
   ننصرف نحوه ، ونقبل عليه ، فيقول للواحد منا : هيا هل تريد هذا الخنجر القاتل ؟ أم تريد هذه البندقية الفتاكة ؟ أم تريد هذا الفانوص الخاص بسهر الليالي المظلمات ؟ أم أنت معتاد على السرى والإدلاج فلتأخذ هذا المصباح الذي ينافس النجوم في إضاءته ؟ وعندئذ تضحك أنت الزبون أولا حتى تغادرك الهموم لأيام وشهور ، ثم تقول : أريد ذلك الخنجر القاتل ، فكم ثمنه ؟ يقول : إن ثمنه درهمان أو ثلاثة ، وبعد أن يقبض الثمن ، يمسك بالخنجر ، ثم يضربه بأصابعه ، وهو يقول ماشاء الله إنه يشبه شقف الجرة ، خذه يابني ، وإذا مارأيت خصمك أو عدوك ارم الخنجر جانبا ، وانج برجليك ، قبل أن يوسعك ضربا ، وهنا تعيد له ذلك الخنجر ؛ لكي يبيعه لغيرك ، وتنصرف عنه وأنت تضحك ساليا ، مطمئن البال ، صحيح إن ذلك الشيخ المسن يبيع كذبا ، ويتسول بشيء من الحيلة والفهلوة ، لكن لاضرر  ولا ضرار ، فأنت تخرج ضاحكا ، راضيا بما قدمت ، وهو يعود بما يعيل أسرته ونفسه .
   أما كذب اليوم فيصدر من علية القوم وقادتهم ، فيعود بتدمير الشعوب وتضليلها ، بل بتجويع القوم ، وتدمير مقدراتها ، والعبث في أرزاقها ، وعزتها ، وكرامتها ، فلا حول ولا قوة إلا بالله .


اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

يسعدنا أن تسجل رأيك وتذكر تعليقك يعكس للأخرين شخصيتك وثقافتك وإخلاقك

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading